إبراهيم غرايبة الحياة - 23/03/09
كيف يفكر الزبائن؟ لم يعد هذا السؤال سؤال المسوّقين وحدهم بل يكاد يكون أساسا للسياسة والفكر والثقافة والتنمية، والأمر بطبيعة الحال ليس كله سيئا أو حسنا ولا خطأ أو صحيحا، ولكن مع تنامي دور القطاع الخاص وتحول المنتجات إلى سلع للاستهلاك والعرض والطلب، فقد امتد ذلك إلى الفكر والسياسة والثقافة والرياضة والإعلام والفن. فالانتخابات في أحد وجوهها اليوم هي عملية عرض وطلب، تقدم فيها العروض والوعود من المرشحين، ويقبل الناخبون عليها ويتعاطون معها باعتبارها سلعة أو باعتبارهم زبائن! ويشمل ذلك النشر والإعلام والمواقف والأفكار، والدعوة والوعظ والإرشاد.
ووسائل الإعلام باعتبارها تتعامل مع المستهلك مباشرة بلا علاقة أو تأثير كبير للحكومات، كيف تتعامل مع الثقافة والأفكار والقيم والفنون وهي تنظر إليها في الوقت نفسه باعتبارها سلعة؟ فقد أصبحت وسائل الإعلام خدماتية وليست رسالية، ولا تأخذ الرسالة بالاعتبار إلا بمقدار أهميتها التسويقية والتجارية، وخصخصة الخدمات تعيد تشكيل المجتمعات والمدن وعلاقاتها الداخلية والبنيوية والمسؤوليات والأدوار المنوطة بمكونات الدولة والمدن والبلدات من المؤسسات والأفراد والمجتمعات والشركات على السواء.
«الاستهلاك» هو مركز الإدارة والتفكير اليوم، كيف تتعامل المجتمعات والمؤسسات والأسر والأفراد مع هذه القاعدة؟ المعرفة باتجاهات الناس ورغباتهم وفرص توجيهها وتغييرها تصبح هي القاعدة الأساسية في الثقافة والفكر والدعوة والإعلام والتعليم والتنمية والتخطيط، وإذا لم يشارك الناس في العملية التعليمية والثقافية فإنها معرضة للفشل برغم كل الجهود الصادقة التي تبذل لأجلها، وبرغم الإنفاق الكبير، ولكن المعرفة الأفضل لا تقود إلى العمل الأفضل بشكل أوتوماتيكي.
فالناس/ المستهلكون تتشكل أفكارهم ومواقفهم عبر منظومة معقدة من العواطف والذكريات والتفكير والتأمل والحوار، وتأثير العقل الباطن، والناس لا يعيشون بالضرورة حياتهم وفق قواعد محددة ومعروفة ومنطقية، وهم يفاجئون المسوّقين والموردين (على اختلاف اتجاهاتهم) بمواقف وردود أفعال تبدو في كثير من الأحيان متناقضة أو غير منطقية، كيف تسلك المجتمعات والجماهير؟
لقد ظلت عمليات التسويق والتوجيه محكومة ببيئة سابقة لم يعد لها وجود اليوم، فالحملات الإعلانية كانت تفترض أن الناس يتعاطون مع وسائل إعلام محددة سلفا، ولكن لا يمكن اليوم الجزم بسهولة بمداخل الناس ومشاهداتهم ومتابعاتهم الإعلامية، ولذلك فإننا نرى على سبيل المثال إعلانات حكومية مصرية أو عراقية في قناة الإم بي سي، ألا يعبر ذلك عن إدراك لعلاقة المصريين والعراقيين بمحطات التلفزة في مصر والعراق؟ المشكلة الأخرى أنه يصعب معرفة سلوك الناس وتفكيرهم بمجرد سؤالهم أو استطلاع رأيهم، فاستطلاعات الرأي تحتاج أيضا إلى مراجعة وتفسير، وقد لا تقدم إجابات الناس معرفة صحيحة باتجاهات الناس، والواقع أن الكلمات ليست الوعاء الوحيد لنقل أفكار الناس، فاللغة أوسع بكثير من الكلمات، ولذلك فإن الدراسات الإحصائية يمكن أن تقدم أفكارا ومعلومات سطحية عن الناس.
كيف نقيس وعي الناس؟ كيف نتوقع سلوك واتجاهات عقلهم الباطن؟ الواقع أن السوق اليوم بكل اتجاهاته سواء كان للسلع المادية أو المعرفية والإعلامية يكاد يكون واقعا في وصاية على المستهلك/ الناس/ المجتمعات، وقد تنجح الأسواق في حصار الناس وتوجيههم لفترة من الزمن، ولكنها في ذلك تلعب في الوقت الضائع، وقد تتعرض لخسائر كبيرة وتمنى بفشل ذريع.
وفي بلادنا العربية نواجه مشكلة ضعف المجتمعات، ففي مرحلة نمو القطاع الخاص والشركات واستحواذها على توريد احتياجات الناس وخدماتهم لم تتطور المجتمعات لتملك أدوات التأثير في وجهة التوريد وتقديم الخدمات وفي مواصفات الأسواق والمنتجات، مرة أخرى فإننا نحتاج للتذكير بأن السوق تعني كل المنتجات والسلع بما في ذلك الخدمات والثقافة والفنون، والمستهلك يعني جميع الناس والمجتمعات أيضا.
ظاهرة الدعاة الجدد قد تعبر عن إدراك لتحولات العلاقة أو هي استجابة تسويقية لسؤال «كيف يفكر الزبائن» فهؤلاء الدعاة يمثلون منتجا متفقا مع ظاهرة «الاستهلاك الديني» المتدينون الجدد الذين يريدون ممارسة التدين وفق عاداتهم الاستهلاكية عبر «المولات» والفضائيات، تحويل التدين نفسه إلى سلعة جميلة وسهلة التداول. تخيل نفسك تجنى الحسنات والثواب عند الله في اليوم الآخر، وأنت مستمتع تتسلى، فهؤلاء الدعاة يخاطبون الناس كما البنوك والمراكز التجارية بعروض السحب وفرص الفوز وتجميع النقاط التي تؤهلك للفوز كلما اشتريت أكثر أو تحدثت أكثر عبر الهاتف، أو كما يقول لنا أحد البنوك «ادخر لنفسك ونحن نكافئك»، وهؤلاء أيضا يخبرونك كيف يمكن أن تدخل الجنة وتحصل على حلاوة الإيمان والاطمئنان وتتفوق في عملك وتحصل على البركة في وقتك ومالك، وأنت في الوقت نفسه تتسلى بالمشاهدة والاستماع والحضور، وتحصل على الدين في قالب من القصص والمؤثرات البصرية والصوتية، أو في أثناء برنامجك السياحي وقضاء عطلتك.
والواقع أن «تسليع التدين» كان مبادرة تفوقت كثيرا على تسليع الثقافة والفكر والتعليم المستمر، تعبر عنها اليوم منظومة هائلة وشبكية من البنوك والفضائيات والشركات والرحلات والسياحة والتدريب وسوق الملابس والعلاقات العامة، بل ي العقارات (فلل وقصور إسلامية على سبيل المثال!).
ويمكن ملاحظة الظاهرة أيضا في موجة التدريب، عندما تنامى هذا القطاع في أوائل التسعينات في محاولة للاستجابة للتحولات الاقتصادية والحوسبة الجارية في الأعمال والإدارة، ولكنه تحول سريعا إلى سوق استهلاكي يقدم للناس ما يريدون وليس بالضرورة ما يحتاجون إليه، فقد تحولت عمليات تخصيص جزء من الموازنات السنوية للمؤسسات العامة والخاصة للتدريب (وفي بعض الأحيان يكون ذلك إلزاميا من السلطات التنفيذية والتشريعية) تحولت إلى مشروعات سياحية وترفيهية تقدم للمشاركين التسلية والمتعة في الفنادق والمراكز التجارية والتدريبية وبتواطؤ بين المستهلكين (قادة المؤسسات والمشاركون في الدورات التدريبية) وبين الموردين (مؤسسات التدريب والتطوير). وطالما أن المسألة هي عرض وطلب، أو عرض ينشئ الطلب، فسوف يكون مثل هذا المقال ينطوي على قدر كبير من الملالة و«ثقل الدم»، ولكن المسألة الحقيقية تبقى هي غياب الركن الثالث في العلاقة، والذي بدون لن يستوي البناء والعمل قائما، وهو المجتمع أو «القوة الثالثة»، وبغير ذلك نكون قد خرجنا من وطأة رمضاء الحكومات إلى نار الشركات.
.
.
الاربعاء, 25 مارس, 2009
أضف تعليقا
اضيف في 23 ديسمبر, 2009 04:32 م , من قبل radiomoon
من مصر
من مصر

Thank you verey much for the beneficial informatin .
thanks.. good look
Thank you verey much for the beneficial informatin .
thanks.. good look
http://www.radiomoon.net
http://www.ebneleslam.com/
http://www.radiomoon.net/blog
http://www.ebneleslam.com/forum/
http://www.radiomoon.net/vb
http://www.horahost.com/
http://www.radiomoon.net/web
http://www.radiomoon.net/games
http://www.radiomoon.net/moon
http://www.radiomoon.net/news
http://www.ebneleslam.com/dir/
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










Warm welcome to Alnemat TheGrace Arabic Christian Internet Magazine, We love you! Please visit us at:
In TheGrace opportunity to meet Jesus the Savior / في النعمة فرصة للقاء المُخلِّص يسوع المسيح
http://www.TheGrace.net
Salvation pardon peace life certitude mercy in Jesus / خلاص غفران سلام حياة يقين رحمة في المسيح
http://www.TheGrace.org
Arabic Christian Magazine The Grace offering the Arabic Bible / النعمة تقدم الإنجيل الكتاب المقدس
http://www.TheGrace.com
نتمنى لكم الفرح والسلام والمحبة لأن السلام افضل من الحرب والمحبة افضل من الكراهية كما ان النور أفضل من الظلمة
سلام لكم في محبة الله.نتأمل زياراتكم الكريمة لموقع النعمة موقع مجلة النعمة يقدم كلمة الله الكتاب المقدس الإنجيل رسالة السيد يسوع المسيح قراءات مختارة مواضيع مصيرية قصص واقعية شهادات شخصية ترانيم ممتازة ردود مؤكدة كتب بنّاءة رسوم تسالي تأملات يوميات
Bible audio Read search in Arabic Studys Stories Testimonies Hymns and Poems Answers Books Links Daily devotions Acappella Music Graphics /
Alnemat Journal Arabe Chrétien La Grâce la Revue Arabe sur Internet offre La Sainte Bible Al-Injil L’Evangile de Jésus Christ gratuit, Bienvenue a La Grâce.