إبراهيم غرايبة
مدونة الكاتب إبراهيم غرايبة
.
.

غزة والسؤال: من نحن وماذا نريد؟

غزة والسؤال: من نحن وماذا نريد؟
إبراهيم غرايبة     

نواجه اليوم حربا افتراضية وإعلامية ولكنها حقيقية وشرسة في التعامل مع ما بعد الحرب على غزة، فهناك حالة من الإغراق الإعلامي تشغلنا بالجدل حول النصر والهزيمة، وبعيدا عن مواقف البطولة والصمود والتضحية التي تستخدم دليلا على النصر، وذلك أسلوب بالغ الغرابة في الفهم فإن تزيين الكوارث والهزائم والتراجع والفشل على أنها نصر وإنجاز لا يقل مأسوية عن الكارثة الأصلية، وتصوير الصراع على غنائم إعادة الإعمار على أنه صراع على قطف نتائج الانتصار، بل وتسويق الفتاوى -وهذه حرب جديدة غير مسبوقة- بحرمة التشكيك في النصر الغزي العظيم، أو حرمة تحميل غير إسرائيل المسؤولية (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا) سيؤدي بنا إلى ضياع البوصلة، فلا نعرف لنا اتجاها، ولا نعود نعرف ماذا نريد ولا كيف نحقق ما نريد، بل لم نعد نعرف من نحن؟

إننا بحاجة لسؤال بسيط وبديهي، أين كنا وإلى أين وصلنا؟ فلا الدين ولا الجهاد والمقاومة يريدنا أن نقاتل وكفى، وأن نستشهد على سبيل الهواية أو التضحية لذاتها، وإذا كان لنا هدف واضح نعول عليه، فإن السؤال هو كيف نحققه؟ هكذا ببساطة، فالله لا يريدنا أن نموت لأجل شي يمكن تحقيقه بغير قتال، وإذا كانت وسيلة ما تؤدي إلى ما هو أسوأ فإنها تتحول إلى عبء على الأوطان، لأنها (الأوطان) تحتاج إلى تحرير وتنمية وإعمار، وتحتاج إلى أبنائها أصحاء معافين ومتعلمين و... أحياء.

كانت الحالة في فلسطين في منتصف الثمانينات مقارنة باليوم تبدو زاهية، وما نفاوض اليوم لأجله ونقاتل أيضا كان متحققا بدون هذه التضحيات والخسائر الهائلة، كانت فلسطين كلها متاحة للفلسطينيين للعمل والتنقل والتعبير والنضال بقدر كبير من الحرية والاستقرار، الجامعات والمدارس والجمعيات والصحف والنشر والعمل والرخاء الاقتصادي، على سبيل المثال كان الشيخ أحمد ياسين يخطب الجمعة في كفر قاسم ويعود إلى غزة، وعندما ألقي القبض على أسرة الجهاد عام 1984 كان يقودها وينسق أعمالها الشيخ عبد الله نمر درويش (كفر قاسم) والشيح أحمد ياسين (غزة)، وكان ثمة استعداد إسرائيلي للانسحاب من غزة و97 في المئة من الضفة الغربية، وكان الاستيطان أقل من اليوم بكثير، ولم يكن ثمة سور، يحيط بالضفة الغربية، ولا حصار ولا تجويع ولا إبادة ولا كراهية بهذا القدر.

فإلى أين مضى بنا «النضال» منذ أواخر الثمانينات؟ عزلت الأجزاء الفلسطينية عن بعضها تماما، ثم فصلت فصلا سياسيا بل وشعوريا واجتماعيا، ولا نحتاج لنضحك على أنفسنا ونخفي أن الفلسطينيين اليوم في الداخل هم أربع مجموعات متباعدة في مصالحها وعلاقاتها وهمومها ومشاعرها أيضا، فلسطينيو إسرائيل، والقدس، والضفة وغزة، وأنه تباعدت بينهم السبل المادية والجغرافية وفرص التعاون واللقاء، وأصبح الفلسطينيون في حالة غير مسبوقة من الانقسام والنزاع، وأما الفلسطينيون في الخارج، فلم يعودوا جزءا من القضية الفلسطينية إلا على نحو لا يزيد عن مشاركة الأردنيين والسوريين والمصريين واللبنانيين، وأتحدى أن ينفي كلامي هذا حتى قادة المقاومة والفصائل الفلسطينية وكتابها وموظفوها في دمشق وعمان وسائر أنحاء العالم.

وتراجعت مصادر الدخل الذاتية للفلسطينيين وأصبحوا يعتمدون على المعونات والحوالات، في حين أنهم كانوا الأفضل اقتصاديا وتعليميا في الدول العربية وفي مستوى من الازدهار والتنمية لم يكن يفوقه سوى دول الخليج، واليوم فقد حولنا الشعب الفلسطيني إلى شعب يعتمد على المعونة والصدقات والتبرعات، بل وأصبح النضال هو كيف يمكن إيصال المساعدات إليهم بعدما كانوا يساعدون الناس.

 ولكن ثمة كارثة أخرى حلت بنا، فقد وقعنا ضحية ابتزاز يستخدم الكارثة والمأساة لأجل البزنس والأمجاد الشخصية والشللية. ولذلك فإني أنظر بريبة وخوف كبير تجاه أي اهتمام مبالغ فيه، وأكاد أساوي بين الاهتمام المبالغ فيه وبين التجاهل والتعتيم، فكلاهما حالتان لا تقلان في أضرارهما عن بعضهما بعضا، وليسا أكثر من وجهين لعملة واحدة، فالإغراق وإن كان يبدو مؤيدا للقضية موضوع الإعلام (غزة على سبيل المثال) ليس بريئا، بل إنه ليس حسن النية، ويقع في الاتهام تماما مع الإعلام المضاد، لأنه يستخدم غالبا لتمرير صفقات وبزنس وتصفية حسابات وبناء مكاسب أخرى بعيدة عن القضية الأساسية، ويعتم على تقصير وفساد، في قناة الجزيرة مثلا كنا فرحين بأدائها العظيم والمنحاز للمقاومة، وتناسينا أن ثمة شقيقة لها باللغة الإنكليزية هي (بمعايير المقاومة والنضال) قناة صهيونية أو تقترب من الصهيونية، وهكذا فقد خضنا حربا إعلامية لإقناع العرب بأن إسرائيل معتدية وتقتل المدنيين والأطفال، وتوجهنا للأجانب بخطاب آخر مختلف، فمعظم الأميركيين على سبيل المثال يعتقدون أن حماس تستخدم القوة المفرطة ضد إسرائيل!!، ومعظم الإيطاليين يعتقدون أن حماس وقعت بجرائم حرب لأنها تتخذ المدنيين والأطفال دروعا بشرية، وفي زحمة الصراخ والعويل والندب لم يكن ثمة مقدرة للتوقف والملاحظة، أن العرب مقتنعون بما يقوله الأبطال والمحللون النضاليون أكثر منهم، ولا يحتاجون ليقنعهم أحد بأن إسرائيل محتلة، ولكن لماذا لا تخاطبون الغرب والأجانب من غير العرب البعيدين عن القضية الفلسطينية والذين لا يكادون يعرفون شيئا لتخبروهم بما يجري؟ ولا نستطيع في زحمة الإغراء والإغواء المتأتي من استضافة قادة المقاومة والأبطال والشهداء أن نشير إلى الموقف الصهيوني أو البليد والمتخاذل في الجهة الأخرى، فيصبح الهدف من الإعلام ليس نشر القضية وإيصالها إلى المستهدف الحقيقي، وإنما تحويلها إلى عرض (show) وبناء مكاسب ونجومية وجمع تبرعات، ولا بأس لأجل ذلك بمزيد من الضحايا أو صورهم، ولا بأس أيضا بغض الطرف عن التخاذل والتقصير في مخاطبة الغرب، فما لا يدرك كله لا يترك جله!

وننشئ رواية جديدة مختلفة تماما عن الرواية الأصلية التي لم يعد يعرفها أحد أو أقلية من الناس لا يجرأون على البوح بما يعرفون، ونصبح ضحية إرهاب إعلامي يمنعنا من السؤال والملاحظة، ونصبح أيضا معرضين لاتهامات جاهزة وطاحنة مثل طوفان لا يمكن مقاومته، ولا فائدة بعد ذلك من اكتشاف الحقيقة ومعرفة ما يجري بالفعل، بل إن الأبطال أنفسهم الذين روجوا للبطولات والكرامات سيقودون عمليات نقد ذاتي ومراجعة وتصحيح، وسيظل أولئك الذين كانوا يقولون الشيء نفسه قبل سنوات طويلة متهمين ومقصرين!

طيب يا جماعة الخير هل أصبحت قضيتنا هي «المعابر» وليس التحرير أو الانسحاب، وهل أصبح السلام مقابل الطعام؟ هل كانت هذه العقود من التضحيات والشهداء والأسرى والدمار والنزف لأجل أن نوصل القضية إلى فتح معبر وإيصال الطعام والدواء؟

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.