إبراهيم غرايبة
أشعر اليوم بأن الفضائيات شكلت جبهة جديدة في مواجهة العدوان على غزة، ولكنها للأسف الشديد جبهة مضرة بغزة والغزيين مثل الحرب الإسرائيلية، العرب والمسلمون (ولا أستثني نفسي بالطبع) يمارسون التضامن مع غزة "افتراضيا" عبر الفضائيات والإنترنت، هذا الإغراق الإعلامي بالاخبار والصور والتصريحات والمقابلات، شكل جبهة أخرى بعيدة عن الحقيقة، فحجم التأييد والمساعدة والتضامن مع غزة على الأرض والواقع لا يساوي شيئا، الإغاثة والإسعاف والعلاج والإخلاء لا يكاد يذكر أو يساوي شيئا أيا كانت أسباب ذلك، المتطوعون والمتضامنون الذين وصلوا إلى غزة أقل بكثير من حجم الكارثة والصوت الإعلامي، العلماء الأفاضل الذين جابوا العالم الإسلامي لحشد النصرة لم يذهب أحد منهم للاعتصام أمام معبر رفح أو حتى الدخول إلى غزة ومشاركة الناس هناك والمتطوعين في الإغاثة والمساعدة والصمود، والمحللون السياسيون في قناة الجزيرة والفضائيات العظيمة التي أقيمت بأموال التبرعات لأسر الشهداء والأسرى والأيتام والأرامل يمارسون الصمود والاستشهاد على هيئة بزنس واستثمار وتجمعات أنس لشلل الأصدقاء والأتباع في فنادق الخمس نجوم وفي لندن، ومنظمات حقوق الإنسان تستهويها الفنادق والفضائيات، كأن العالم يتحول إلى ساحة افتراضية من التضامن، نمارس حياتنا ببلادة، نتسلى بإحصاء الشهداء والجرحى، الأسر تتناول الطعام وهي تراقب شاشات عرض قتل الأطفال وتدمير البيوت مثل فيلم أكشن، تحولت المبالغة في عرض الصور والأصوات إلى عملية مسلية خرجت عن هدفها المفترض، بصراحة فإننا نمارس خديعة مع أنفسنا ومع غزة، وربما يكون حجم التضامن مع بيروت عام 1982 قبل الفضائيات أفضل بكثير من التضامن مع غزة، وصل متطوعون ومتضامنون، الأم تيريزا ظلت في المخيمات مع الناس، النشطاء في الإغاثة والإسعاف، الذين شاركوا الناس حياتهم وعاشوا معهم في الحصار كانوا اكثر ممن تضامن مع غزة، دعك من المظاهرات المليونية والآلافية والكتابات والتحليلات الهائلة والتي في تاييدها المبالغ فيه ضللت الفهم وضيعت المعلومة الحقيقية، وجعلتها مثل إبرة في كومة قش، لا أتحدث عن أسلحة وقتال، ولم ألمح إلى ذلك برغم شرعيته أيضا، ولكن هناك مجموعة هائلة من الأعمال الممكنة غير القتالية، الذين يحملون جنسيات تسمح لهم بالسفر إلى إسرائيل يستطيعون أن يسافروا إلى غزة والإقامة هناك، وأن يسيروا قوافل من مواد الإغاثة والإسعاف، الأطباء والممرضون والمسعفون، مراقبوا حقوق الإنسان والمتضامنون، والذين يستطيعون الوصول عبر مصر إلى رفح يستطيعون أن يقيموا هناك مخيمات تضامنية واعتصامات دائمة، وكل من يستطيع الوصول إلى غزة يمكن أن يقدم شيئا ويضيف شيئا مهما وجوهريا إلى الحرب والمواجهة، والذين ينظرون للمقاومة عبر وسائل الإعلام عليهم أن يصمتوا للأبد ويستحوا من أنفسهم، ويذهبوا للمقاومة أو لعمل شيء ممكن، وأبطال الفضائيات والفنادق يمكنهم أن يتبرعوا بمكافآتهم وتكاليف إقامتهم للناس في غزة فذلك أفضل بكثير، ولا يحتاج عربي ومسلم اليوم لتذكيره بأن إسرائيل تحتل فلسطين وتنتهك حقوق الإنسان، حتى أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس يعرفون ذلك ولا يحتاجون لتذكير، وأظن أنهم يعرفون أين تقع فلسطين، الصمت اليوم أفضل وأبلغ بكثير من الحديث، الشعور بالعجز والقهر أهم من التظاهر والهتاف، العمل بعيدا عن وسائل الإعلام أجدى بكثير من الاستعراض الإعلامي والهوس بالصورة، الامتناع عن السفر وحضور المؤتمرات والندوات يمثل حالة أعمق بكثير من المشاركة فيها، الحديث في المجالس وفي وسائل الإعلام عن الصمود والبطولات لا يحق إلا للأبطال والذين صمدوا بالفعل، وأما الآخرون الذين يمارسون الشهادة والمقاومة على سبيل التسلية والتمثيل، فليس أقل من أن يكفوا عن جلد الناس والغزيين بمدحهم، يمكنهم أن يقدموا الكثير لو صمتوا، التضامن مع غزة يبدأ بإغلاق أجهزة التلفزيون والتوقف عن مشاهدة الفضائيات، .. والصمت
.
.
الثلاثاء, 20 يناير, 2009
Add a Comment
Add a Comment
<<Home
.
.









من المملكة العربية السعودية
السلام عليك ورحمة الله وبركاته
أخي الكريم إبراهيم
كل ما جاء في مقالك من تحليل للواقع الذي نعيشه صحيحة والتضامن لم يصل إلى اقل من الحد المطلوب لكن سؤال هل سمحت الحكومات العربية بدون استثناء وخصوصا دول الطوق لفلسطين من التواصل والتفاعل والتضامن من قبل الشارع العربي.
إن الحكومات العربية ما هي سياج حصين لحماية بني صهيون بجيوشها واستخباراتها وقواتها المسلحة بكافة الأسلحة الأزمة لمنع الشارع العربي من القيام بواجباته الصارخة والتضامنية مع المقاومة، حتى أنها منعت المظاهرات السلمية التي كان يقوم بها المثقفون في الشارع العربي، وبعض الدول أفتى بعض مشايخ السلاطين أن هذه المظاهرات تبعدنا عن ذكر الله عز وجل، وغيرها.......
دمت بخير تحياتي واحترام لقلمك وبارك الله فيك وهدانا الله لما فيه الخير للجميع
سعيد مطر