إبراهيم غرايبة
مدونة الكاتب إبراهيم غرايبة
.
.

"يمضي الرجال ويبقى السراب"

إبراهيم غرايبة

نحتاج إلى مواجهة أنفسنا بحقيقة أن سنوات الاحتلال لفلسطين كانت أفضل بكثير إلى درجة يصعب مقارنتها من سنوات الانتفاضة والسلطة الوطنية وحكومة حماس، أفضل من جميع النواحي، الحضور الثقافي والسياسي للقضية الفلسطينية، والمستوى المعيشي والتعليمي والتنموي للفلسطينيين، وقدرتهم على العمل والسفر والمعيشة بأمن واستقرار، وأن السنوات العشرين الماضية توالت فيها التراجعات السياسية والمعيشية والثقافية، بل وتدهورت القضية الفلسطينية إلى أسوا مرحلة في تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية.

بالطبع فإن هذه المقدمة ليست دفاعا عن الاحتلال الإسرائيلي، ولكنها محاولة للمراجعة والتوقف والتفكير لأن ما يحدث اليوم في غزة يصعب رده إلى سياسات ومواقف حماس، الخاطئة منها والصائبة، ولا يرد أيضا إلى الانتفاضة الأولى والثانية واتفاق أوسلو، بما لها وما عليها، ولكنه سلسلة من التراكمات والحسابات والقراءات بدأت منذ عام 1945، وتوالت الأخطاء، كما يلخصها بيت المتنبي

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا  مضر كوضع السيف في موضع الندى

صحيح أنه حدثت مبادرات وإنجازات مهمة وكبيرة أيضا، وساهمت في إبقاء القضية الفلسطينية فاعلة وحية، وقدمت للفلسطينيين قدرات كثيرة على التنمية والنضال، ولكنا في هذا المقام نحتاج إلى وقفة مع الأخطاء، والتمييز بين ما يمكن إصلاحه واستدراكه ومالا يمكن.

ثمة شعور فلسطيني عميق وثقيل يفسر كثيرا من المواقف والأمزجة الفلسطينية العامة والتاريخية بأنه لم تحدث بين عامي 1917 – 1967 مقاومة فلسطينية حقيقية تذكر أو يعتد بها، وأن الحالة الفلسطينية تكاد تكون مختلفة في التاريخ والجغرافيا، ففي العقود الثلاثة الأولى التي أعقبت الانتداب البريطاني حدث تعايش فلسطيني يهودي بريطاني، مصحوب باستقرار وبتقدم اقتصادي اجتماعي يفوق معظم الدول العربية إن لم يكن جميعها، واستقطبت فلسطين قوى عاملة من معظم الدول العربية، بدءا باليمن وحتى المغرب، في الأردن على سبيل المثال كان ثلث القوى العاملة الأردنية (حوالي أربعين ألف شخص) يعملون في فلسطين قبل عام 1948، وأما مقاومة الاحتلال والثورات فقد كانت محدودة، ثورة القسام (القادم من سورية) وهي أهم هذه الثورات لم تكن سوى مقاومة محدودة لعدد قليل من الرجال.

كان ثمة شعور عام بالثقة بالمستقبل السياسي وبالسياسات البريطانية، بل إن بريطانيا تعرضت لاتهامات وضغوط يهودية كبيرة بسبب ما تراه المنظمات والقيادات اليهودية انحيازا للفلسطينيين، وكان ثمة قلق أمريكي وتحفظات من قيام دولة يهودية في فلسطين لأن من شأن هذه الدولة أن تضر بالعلاقات النفطية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والدول العربية، ومع قيام الحرب العالمية الثانية قدمت بريطانيا فرصا مهمة للفلسطينيين منحتهم شعورا بالأمان والثقة.

ولكن اللحظة التي لم يستوعبها الفلسطينيون هي التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وأن النصر الكبير الساحق للحلفاء غير كل شيء، في هذه اللحظة انقلبت السياسات والمخططات اليهودية والبريطانية رأسا على عقب.

كان رفض قرار التقسيم منحة غالية لليهود انتظروها بفارغ الصبر للارتداد على المكتسبات السياسية والواقعية التي تحققت بالفعل للفلسطينيين في سلسلة من النضال والعمل السياسي المتقدم بعامة، وان اعترته كما يقول المؤرخ الفلسطيني عصام السخنيني في كتابه "فلسطين والفلسطينيون" تراجعات وخلافات فلسطينية، فبدأت المنظمات الصهيونية حربا شاملة كانت تتحرق شوقا لها وتستعد لها أيضا بكل ما أوتيت من إمكانيات، واستفادت من نتائج الحرب ومشاركتها فيها لتنشئ واقعا جديدا هو أفضل بالنسبة لها من وعد بلفور والكتاب الأبيض، وفي المقابل فإن الفلسطينيين، وإن رفضوا قرار التقسيم لم يكونوا مستعدين للحرب، وكانت القوات النظامية لهم في عام 1948 لا تتجاوز حسب مؤرخين فلسطينيين (سلمان أبو ستة على سبيل المثال) الألفين وخمسمائة مقاتل مقابل 110 آلاف مقاتل يهودي منظمين في جيوش حقيقية ومزودين بأسلحة متفوقة وكافية، كانت حرب 1948 عربية إسرائيلية، ولم تكن مشاركة الفلسطينيين فيها سوى هوامش قليلة الأهمية، وانسحب الفلسطينيون جماعيا من مدنهم وبلداتهم وتركوها خالية من السكان، وظلت فترة طويلة قبل أن يصل إليها اليهود ويستلموها "مفروشة"، أم الرشراش (إيلات) بقيت خالية من السكان فترة طويلة،  ويقال إن سيارة جيب واحدة يستقلها ثلاثة من اليهود وسارت السيارة مسافة ساعتين في أرض خالية حتى وصلت البلدة الخالية واحتلها الشبان الثلاثة (شابان وفتاة) ورفعوا العلم الإسرائيلي عليها، وضمت إلى إسرائيل في 10 آذار من العام 1949 أي بعد حرب 1948 بسنة، هل كان ثمة تقصير مصري و/أو أردني تجاه المدينة؟ بيسان المدينة التي كان عدد سكانها حوالي عشرين ألف نسمة هجرها أهلها من السكان أسابيع طويلة قبل أن يصلها اليهود، وكذلك الحال بالنسبة لمدن وبلدات أخرى كثيرة، حدثت عمليات هجرة واسعة غير مفهومة وغير مبررة، ولا يشبهها بحال ما حدث في البلاد التي تعرضت لاحتلال مشابه، وأضافت إسرائيل بسهولة 2500 كيلو متر إلى ما يمنحها إياه قرار التقسيم، صحيح أن مذابح وعمليات تهجير منظمة وقعت بالقوة في أثناء العام الذي سبق الحرب، ولكن ذلك لا يفسر عمليات الهجرة الواسعة وإخلاء البلدات والمناطق الفلسطينية، لم يحدث مثل ذلك في ليبيا والجزائر على سبيل المثال برغم الاستعمار الاستيطاني القاسي في البلدين.

ثمة لائمة واسعة وكبيرة على العرب بأنهم لم يقاتلوا في فلسطين برغم أن سبع دول عربية أرسلت أكثر من أربعين ألف جندي وحشدت الجماعات الإسلامية والوطنية عشرة آلاف متطوع، وهو ما لم يحدث مع أي بلد عربي محتل، كانت حالات التضامن مع الدول العربية المحتلة من قبل مجتمعات ودول أخرى محدودة ورمزية، ولم يحدث دعم كبير ومنظم سوى لفلسطين، ولكن الدول المحتلة يحررها أصحابها، والمقاومة تقع أساسا على عاتق الشعب المحتل وليس الشعوب المجاورة، وهذه برأيي أول حقيقة يجب تذكرها، وهي أنه لم تحدث مقاومة للاحتلال عندما كان يجب أن تكون، وأنه لم يؤخذ بالاعتبار تغيرات المشهد السياسي العالمي وميزان القوى عما كان عام 1939 وكان إيجابيا بالنسبة للفلسطينيين.

بعد حرب 1948 لم تحدث مقاومة تذكر للاحتلال، واكتسب حوالي ثلثي الفلسطينيين الجنسية الأردنية، وتشكلت الوحدة الأردنية الفلسطينية، وما يجب تذكره هو أن الفلسطينيين كانوا أكثر حماسا من الأردنيين لهذه الوحدة، وأن المشاركة الفلسطينية في الانتخابات النيابية التي جرت عام 1950 على أساس وحدة الضفتين، كانت نسبة مشاركة الفلسطينيين فيها أكبر من مشاركة الأردنيين، واندمج الفلسطينيون في الدولة الأردنية، وكانوا العمود الفقري للحياة السياسية والاقتصادية والبيروقراطية والجيش والأمن في الأردن.

كان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 يبدو بلا معنى، ويصعب تفسيره بغير رغبة جمال عبد الناصر في توظيف القضية الفلسطينية سياسيا وقوميا، وكان أيضا ثمة رغبة سوفيتية في تحريك القضية الفلسطينية واستخدامها في الحرب الباردة، وربما لو لم تحدث حرب 1967 لظلت منظمة التحرير محدودة الأثر والأهمية، ولكن هذه الحرب غيرت كثيرا، وكانت مقاومة واسعة، ولكنها مقاومة لم تكن سوى استجابة للشعور الثقيل والعميق الذي أنشأته حرب 67، وهو أنه لم يكن ثمة استعداد لهذه الحرب، وأنها كانت مفاجأة كاملة قائمة على معرفة إسرائيلية استخبارية بأن الجيوش العربية غير قادرة على خوض حربة، .. وكانت مقاومة وحرب طويلة لو بذل عشرها في حرب 1967 لما ضاعت سيناء والضفة والجولان، ولو بذل نصف عشرها عام 1945 – 1948 لكانت فلسطين كلها دولة فلسطينية تعيش فيها أقلية يهودية أو على الأقل دولة ثنائية القومية ميزانها راجح لصالح الفلسطينيين.

واكتشفت القيادة الفلسطينية الجديدة بعد عام 1967 أنها لا تملك في الحقيقة شعبية كبيرة بين الفلسطينيين، بل وأن الفلسطينيين يعتبرون قيادتهم السياسية والشرعية هي الدولة الأردنية، وأنهم يراهنون عليها (تأييدا ومعارضة) للنضال والمقاومة والتسوية، وأن ما تملكه من تأييد مرده إلى المقاومة التي تعلم يقينا بأنها مرحلة عابرة وقصيرة، وكانت قد دخلت بالفعل في مفاوضات وتسويات لإقامة دولة فلسطينية بحدود 1967 بل وكانت مستعدة للتنازل والتخلي عن أجزاء من فلسطين احتلت عام 1967، ولكنها كانت تعلم أن الفلسطينيين في مرحلة السلام سيرجحون الدولة الأردنية ولن يقبلوا بهذه الدولة، وحتى إن قبلوا بها فلم يكونوا يثقون بفتح ومنظمة التحرير التي كانت أقرب إلى منظمة شبابية ثورية لا تثق بها أغلبية الفلسطينيين وقياداتهم التقليدية والتاريخية، فكانت "حرب أيلول" مطلبا للقيادات الفلسطينية الصاعدة، لتشكيل هوية وشرعية جديدة تنهي الوحدة الأردنية الفلسطينية التي تشكلت، وتسحب البساط من تحت أقدام القيادات والنخب الفلسطينية المندمجة بحماس كبير في الحياة السياسية والاقتصادية، وغير المستعدة للمشاركة في مغامرات القادمين الجدد! وكان الصعود "الناصري" والمشاركة السوفيتية لحظة إغراء وإغواء، نجحت المنظمات الفلسطينية في استقطاب الفلسطينيين وحشدهم، ولكنهم مضت بهم في مغامرة طويلة ومعقدة وتائهة لم تكن فلسطين واردة فيها، واستمرت عشرين عاما، حين اكتشف الفلسطينيون أنهم فقدوا الاتجاه، وأن خريطتهم للعالم مختلفة عن الخريطة الحقيقية التي يعرفها جميع أو معظم الناس.

كانت العودة إلى فلسطين عام 1987 عودة تراجيدية، مشحونة بالشعور الثقيل، عودة الابن العاق المهاجر هجرة طويلة، ولكنه عاد خالي الوفاض، هدته التجارب والحياة، جاء ليموت! كان ثمة رغبة هائلة بالمقاومة/بالموت، الموت لأجل الموت، الاعتذار للذات بالموت، التكفير عن الأخطاء والنسيان والتيه! كانت مقاومة في غير أوانها، ذهبت بمكاسب الفلسطينيين على مدى أربعين عاما من النضال السياسي والمؤسسي الذي حافظ على الهوية الفلسطينية والوجود الفلسطيني، وحقق مستوى معقولا من التعليم والتنمية البشرية.

كانت الانتفاضة الأولى تقديرا فلسطينيا بأنه لم يعد ثمة مجال سوى العودة إلى فلسطين، ولم يعد الخارج مركزا للمقاومة والعمل السياسي، وتبع ذلك إعلان الدولة الفلسطينية ثم اتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية، ولكن المقاومة التي بدأتها المعارضة الفلسطينية للسلطة وأوسلو ثم انخرطت فيها السلطة الفلسطينية نفسها تجاهلت حقيقة أن ميزان القوى والعلاقات يحكمه قانون المنتصر والمهزوم، أو قانون العلاقة بين القوي والضعيف، كأن الفلسطينيين نسوا العمل القاسي والممل في ظل الاحتلال، واستعادوا الشعور المضني بالندم على عدم القتال والمقاومة قبل ستين عاما، أو لتفويض قضيتهم وبلادهم لغيرهم، كانت مقاومة أقرب إلى اليأس الذي يفقد البوصلة والحذر والرغبة في الحياة!

هل كان خطأ المستضعفين والمهزومين أنهم يفكرون كالأقوياء والمنتصرين؟ هل كان ثمة لبس في التفريق بين ما يجب أن يكون وبين ما يمكن أن يكون؟ ربما يكون سهلا تقديم إجابات مدعومة بالأدلة والتاريخ، وربما كان من الأفضل والأكثر صوابا لحماس وفتح أيضا أن تخففا من الكارثة وتبحثا عن حيل واختيارات أخرى، ولكنه سيبقى تضليلا للفهم أن يظن بأنه مسار حكمته اختيارات فلسطينية خاطئة كانت أو صائبة، وأتوقع أن الاقتراب من الصواب يبدأ من ملاحظة نتائج الحرب ومنطق الانتصار والهزيمة، وتلك هي البداية التي لا يمكن تجنبها للأسف الشديد.

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.