إبراهيم غرايبة
مدونة الكاتب إبراهيم غرايبة
.
.

تفسير فلسفي أوروبي للعنف "الإسلامي"

إبراهيم غرايبة

يقدمم الفيلسوف الفرنسي جان بودريار والروائي البريطاني جان لوكاريه رؤية  مهمة حول ما يتم تعريفه باعتباره إرهابا، تفتح آفاقا للقراءة والتأويل والمحاورة حول أهداف الإمبراطورية للولايات المتحدة الأميركية الجديدة وسعيها لتوسيع مصالحها، ومحاولتها لإحاطة نفسها بهالة من الأفكار والشعارات والرموز والاعتقادات، وتحولها إلى سبب للعنف ومصدره.

فيفسر الفيلسوف الفرنسي جان بودريار الفعل الإرهابي وما يترتب عليه قائلا "نحن (الغرب) الذين أردنا هذه الأحداث وإن ارتكبها (هم)، وإذا لم ندرك ذلك يفقد الحدث كل بعده الرمزي، فيبدو حادثة محضة نفذها بضعة متعصبين يمكن القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، والحال أننا نعلم جيدا أن الأمر ليس كذلك".

حادث 11أيلول برأي بودريار يتعدى بكثير مجرد الحقد على قوة عالمية مسيطرة، فمن المنطق أن يؤجج تفاقم القوة الرغبة في تدميرها، وأن تكون شريكة في تدميرها الخاص. فالغرب وقد تصرف كما لو أنه في موقع (الله) ذي القدرة الإلهية الكلية والشرعية والأخلاقية المطلقة يغدو انتحاريا ويعلن الحرب على نفسه، وقد كان انهيار برجي مركز التجارة تواطؤا غير مرتقب.

فالنظام الذي وضعته هذه القوة العالمية هو الذي أنشأ الشروط الموضوعية لهذا الرد العنيف المباغت، وباستئثاره على كل الأوراق فإنه يرغم الآخر على تغيير قواعد اللعبة، فهو رعب مقابل رعب، ولم يعد هناك أي بعد أيديولوجي، فقد أصبحنا بعيدين عن كل أيديولوجيا وسياسة. فالطاقة التي تغذي الرعب لا تعبر عنها أيديولوجيا، ولا أي قضية، ولم يعد الأمر منوطا بتحويل العالم كما تهدف الحركات الأيديولوجية، ولكن نظام القوة العالمي المهيمن هو الذي يهدف إلى ذلك، ولو كان الإسلام مسيطرا على العالم لنشط الإرهاب ضد الإسلام، ذلك أن العالم هو الذي يقاوم العولمة، والإسلاميون يعبرون عن كل واحد في عالم يناهض العولمة التي تحتكر القوة.

 

كانت فكرة مقاومة النظام العالمي أو العولمة بسيطة، فهذا النظام الذي يكره الموت ويتجنبه، يكون السلاح المميت ضده هو الموت، وقد استخدم المنفذون رتابة الحياة الأميركية قناعا للعبة المزدوجة، عاشوا في ضواحي أميركا، وتدربوا في وسط عائلاتها قبل أن يتحولوا فجأة إلى قنابل بشرية، وربما كانت قدرتهم على تدبير هذه الحياة السرية أكثر أهمية وخطورة من العمل الذي قاموا به في 11 سبتمبر/ أيلول.

ويجد بودريار أن النظام العالمي المهيمن يقتضي بالضرورة وجود إرهاب لكي يستمر في العمل والسيطرة، لأنه دون إرهاب سينهار هذا النظام، وهكذا فإن تواطؤا عميقا ينشأ بين الخصمين، حتى إن المحلل يتساءل من يستخدم من؟

هذا التواطؤ ليس بالضرورة خطة مقصودة تعد مسبقا، ولكن نظام الهيمنة والعولمة والسلطة بحد ذاته يحمل نقيضه، وقد يكون التناقض حاجة بنيوية في النظام نفسه. والأميركيون يحتاجون لأن يكونوا ضحايا ويتعاطف العالم معهم، فالضحية في حل من أي عقدة ذنب تجاه أفعاله وجرائمه، وتحتاج أن تستخدم مأساتها كما لو أنها بطاقة ائتمان! وقد جاءت أحداث مركز التجارة العالمي لتستخدم أميركا قوتها الفائضة التي لم تكن تعرف كيف تتصرف بها وهي مرتاحة الضمير.

وقد يكون هذا السيناريو مثل حكايات الخيال العلمي، ولكن هذا الموقف الافتراضي القائم على وجود قوة غامضة تهدد بالإبادة كان موجودا بالفعل في الذهن أو اللاوعي الأميركي، وكان قائما لديهم هم فقط، ولا يشاركهم فيه أحد حتى تحول هذا الافتراض إلى حقيقة بفضل الإرهاب والعنف، وتلك هي أميركا كما تحسب نفسها في ظل غياب الغير، وترمق نفسها بتعاطف يكاد يقارب العته.

وهناك رواية متطرفة مفادها أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول هي مؤامرة إرهابية داخلية نفذها اليمين المتطرف الأصولي في أميركا بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأميركية، فماذا لو كان هذا الحادث مزيفا ومفبركا؟ الواقع أن هذه الرواية يتواطأ معها الميل الغربي للتقليل من شأن الخصم، فقد تكون أفضل لدى الغرب من الاعتراف بقدرة هؤلاء المجاهدين الغامضين على تكبيد الأميركان هذه الضربة الكبيرة، وقد سبق في قضية تحطم طائرة لوكربي أن ساد لوقت طويل التحليل القائل بترجيح العطل الفني في الطائرة سببا لتحطمها، فالاعتراف بالتقصير حتى لو كان خطيرا هو أفضل من الاعتراف بقوة الآخر.

ولكن حتى لو كان هذا التفسير حقيقيا، وثبت بالفعل أن الحادث كان من تدبير بعض المتطرفين أو العسكريين الأميركان، فإنه في المحصلة يصب في الافتراض الأول، وهو أن النظام يحمل عناصر تدمير ذاته، ويبقى علامة على عنف داخلي مدمر للذات يؤكد صحة الافتراض الأول.

ثم إن كل إستراتيجيات الأمن ليست سوى استكمال للإرهاب، وإنه انتصار فعلي ذاك الذي حققه الإرهاب بإغراقه الغرب في الهاجس الأمني، أي في شكل مقنع من أشكال الإرهاب المستمر.

فشبح الإرهاب يرغم الغرب على إرهاب نفسه، باعتبار أن شبكة الشرطة العالمية تعادل التوتر الذي قد تسببه حرب باردة شاملة، وتعادل الأضرار في الأبدان والعادات التي قد تنجم عن حرب عالمية رابعة.

لم يؤد هدم البرجين إلى إخفاق النظام العالمي لا سياسيا ولا اقتصاديا، ولكن صدمة الهجوم ووقاحة نجاحه (كما يصفها بودريار)، ثم ما تبع ذلك من فقدان الثقة وإفلاس الصورة، حطم المعادلة، وتحول النظام والإرهاب معا إلى شبحين يتعذر إمساكهما أو تعيين موضعهما، وربما كانت هذه هي ضربة الصميم التي تلقاها النظام.

ويلاحظ الكاتب والروائي البريطاني جون لوكارية أن الولايات المتحدة تشهد موجة من الجنون هي الأسوأ بين كل ما شهدته في تاريخها، ويحتمل أن تكون على المدى البعيد أشد وقعا من حرب فيتنام.

كانت مجموعة بوش في مرحلة السعي لتبرير حرب شاملة مجنونة، وقد وجدت في أحدث 11 أيلول فرصة لهذه الحرب المخطط لها قبل سنوات عدة وكانت الإدارة الأمريكية محاطة بمجموعة من الأزمات الكبيرة، مثل شرعية رئاسة بوش، وانهيار شركة إنرون ذات الصلة بالمسؤولين الأمريكان الحاليين، وانحياز الإدارة الأمريكية للشركات الكبرى العملاقة، وعدم اكتراثها بفقراء العالم والبيئة والمعاهدات الدولية، ثم الانحياز المطلق لإسرائيل والذي أوقع الولايات المتحدة في خروقات عدة لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.

وقد أتاحت أحداث 11 أيلول الفرصة لحرب تريدها الإدارة الأمريكية وتخطط لها، وجاءت هذه المرة بدعم شعبي كبير، وبموازنة إضافية هائلة (360 مليار دولار)، ولم تكن الحرب على أفغانستان كافية، ولم تكن هي المقصودة، ونجحت الإدارة الأمريكية مرة أخرى في تجييش الرأي العام للحرب على العراق، ولعل الجانب المقزز في الحرب الاستعمارية الأمريكية والهيمنة الأمريكية على العالم بما في ذلك أوروبا هو النفاق الديني الذي يغطي به المحافظون الجدد إرسال الجنود إلى القتال، وتعميم فكر سوريالي مثل أن الله أوكل إلى أمريكا إنقاذ العالم، وكل من يجرؤ على المساءلة سيجد نفسه في تهمة لا يستطيع الخروج منها، العداء للسامية، والعداء لأمريكا، والإرهاب.

ولكن مطالعة محدودة في سيرة بوش ومجموعة الإدارة المحيطة به تكشف مدى تورطهم في فساد الشركات الكبرى العملاقة والتي تبحث عن حرب جديدة تنقذ الخسائر التي تتعرض لها، وتغطي على الفضائح والفشل سياسيا وإعلاميا.

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.