إبراهيم غرايبة
مدونة الكاتب إبراهيم غرايبة
.
.

القهوة: منظومة من التقاليد والقيم الاجتماعية

إبراهيم غرايبة

مازالت القهوة  تحضر وتشرب في الأردن وفي مجتمعات عربية وبدوية ضمن منظومة من العادات والقيم الاجتماعية ولها دلالات رمزية في الصلح والزواج والعلاقات والروابط الاجتماعية.

وتمارس عادات تحضير القهوة وتقديمها وتناولها على نطاق واسع في المدن والأرياف والبوادي، وتؤدي وظائف اجتماعية وتثير مشاعر وعواطف مختلفة يرقى بعضها إلى درجة القداسة، وترتبط بمواقف وأوضاع اجتماعية كثيرة كالكرم والالتزام الشخصي والجماعي والتفاوض والصلح والخطبة والزواج، وسائر شؤون الجماعات والقبائل.

وتسمى قهوة البن عادة بالقهوة العربية نسبة إلى العرب الذين عرفوها قبل تسعة قرون في اليمن ثم انتقلت زراعتها من هناك إلى الهند وأمريكا الجنوبية.ويعتبر البن العدني واليمني من أفضل أصناف البن، ولكن البرازيل تنتج اليوم أكثر من ثلثي الإنتاج العالمي للبن برغم أن زراعتها ابتدأت هناك في القرن الثامن عشر.

وقد عني بهذه الظاهرة "القهوة والمجتمع" أكثر من كاتب وباحث مثل: د.أحمد عويدي العبادي في كتابه القيم والآداب البدوية، والقاضي محمد أبو حسان في مقال له في مجلة الفنون الشعبية بعنوان: القهوة وأثرها في حياة البدو، ولكن أهم الدراسات في هذا الموضوع هي دراسة الدكتور أحمد الربايعة أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية التي نشرت في مجلة الجامعة الأردنية "دراسات"

تبدأ طقوس القهوة بعمليات الإعداد والتحضير كجمع الحطب وتكديسه، ويتم إشعال النار عادة في "المضافة" وتشير كميات الرماد وبقايا القهوة "الحثل" إلى الكرم والضيافة، ويتفاخر الناس بها منذ قديم الزمان، كما قالت الخنساء في وصف كرم أخيها "عظيم الرماد" والوصف إياه ورد في الحديث الشريف حين وصفت امرأة كرم زوجها ووجاهته في الحديث المشهور بحديث أم زرع في صحيح البخاري ومسلم.

ومازال كثير من الناس يفضلون الحطب على وسائل الطبخ الحديثة ويعتقدون أن حطب الغضا والشيح يعطي القهوة رائحة وطعما مميزا، وكان يعمل في بيوت زعماء االقبائل والمجتمع رجال متفرغون للقهوة مثل "الجلال" الذي يجمع الوقود، والفداوي الذي يعد القهوة ويجهزها.

وتتخلل معظم المراحل التي تمر بها عملية تصنيع القهوة طائفة من التحذيرات والتنبيهات وردت في الشعر الشعبي، وهي تدل ظاهريا على اهتمام بإتقان صنع القهوة لتسر الشاربين وترضي الأذواق، ولكنها تشير ضمنا إلى حرص المجتمع على ترسيخ إجراءاته وتدابيره لضبط سلوك أفراد المجتمع وتوجيههم.

ومن قواعد الضيافة وواجب المضيف في تقديم القهوة أن يتذوق القهوة بنفسه قبل تقديمها للضيوف، وأن تقدم من اليمين إلى اليسار "حتى لوكان على اليسار أبو زيد" وقال الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم:

صدت الكأس عنا أم عمرو            وكان الكأس مجراه اليمينا

ولكن إذا كان في المجلس ضيف أو شيخ فإن القهوة تقدم له أولا ثم يتابع المضيف ابتداء من يمين الضيف، ويجب أن يقدم للضيف ثلاثة فناجين من القهوة، وأن تكون الكمية قليلة تغطي قعر الفنجان، فـ "القهوة للسن وليس للبطن"، ويرمز الفنجان الأول للضيافة، والثاني للاستمتاع، والثالث للمشاركة مع القبيلة والتضامن معها "الضيف والكيف والسيف" ويجب أن يصب المضيف القهوة بيده اليسرى ويقدمها بيده اليمنى مع انحناءة واضحة.

ولا يجوز تجاوز أحد أو تعديه في تقديم القهوة، وإذا حدث ذلك فإنها إهانة لا تغتفر إلا إذا كان هذا الذي تجاوزه المضيف هاربا من معركة أو متخلفا عن القتال أو رافضا لمساعدة القبيلة أو أحد أفرادها إذا كان قادرا على ذلك.

وإذا حضر ضيف بعد شرب القهوة فتقدم له فورا ثم يجدد عرضها على الجالسين احتراما للضيف القادم.

وينبغي أن تظل القهوة جاهزة لتقديمها للضيوف "والمة" ويكره العرب تقديمها بفتجان مكسور فذلك يحط من شأن الضيف ويجلب النحس، وحددت القواعد السلوكية قواعد للضيوف يجب أن يلتزموا بها، فيجب على الضيف أن يستند قبل تناول القهوة إذا كان متكئا، وألا يصب القهوة بنفسه، وأن يتناول الفنجان بيده اليمنى وألا يسكبه على الأرض مهما كانت الأسباب، وهي قواعد تعكس الآداب والالتزامات الاجتماعية وتعبر عن التزام بالحقوق والواجبات واستعداد للمشاركة والتضامن.

ويرى د. الربايعة أنها تعبر عن مثاليات التفكير الاجتماعي القبلي كإشاعة الأمن والطمأنينة في نفوس الناس، والتكافل والتمسك بالعادات والتقاليد، والكرم والشجاعة واحترام قيادة الشيخ ورأيه، والولاء للقبيلة وإعلان شأن الفروسية.

ويحيط البدو القهوة بهالة من الاحترام والتقديس التي لا يجوز تخطيها، ويوضع البن في كيس متين من الجلد "الضبية" يعلق في وسط البيت، وعادة ما يجعل الناس هذه الضبية تحفة جميلة مصنوعة من صوف الأغنام المصبوغة والخرز الملون، ويوضع الحثل في حفرة بعيدة عن مسير الناس والحيوانات، ويحلف بعض الناس بالقهوة تعبيرا عن قدسيتها، ومن عاداتهم في المجالس القول: "وحياة قهوة أجاويد الله" و "حياة الوالمة" وتوصف القهوة اللذيذة بـ "الشاذلية" نسبة إلى الولي المشهور الشاذلي أحد شيوخ الصوفية.

ويعبر البدو عن حزنهم على موت رجل عظيم بقلب دلال القهوة وامتناعهم عن تحضيرها إشارة إلى احترامهم للمتوفى.

وعندما تقدم القهوة في مجالس الصلح أو الخطبة  يتوقف الضيوف عن شرب القهوة حتى يستجاب طلبهم، ويعبر شربها عن الاتفاق والاستجابة لطلبهم ويسمى هذا الشراب في هذه الحال "فنجان الجاهة" وهناك "فنجان التحدي" وهو يرمز لقتل شخص معين يحدده رئيس القبيلة، فإذا أعلن أحد الحاضرين أنه شرب فنجان فلان فذلك يعنى أنه التزم بقتله بناء على تكليف الشيخ، وإذا فشل في مهمتة فيعاقب بألا تقدم له القهوة في مجالس الرجال، وبالطبع فقد اختفت مسألة التحدي هذه بعد قيام الدولة الحديثة ونشوء المحاكم.

وللأردنيين أقوال وأمثال في القهوة تلخص رؤاهم وأفكارهم مثل "القهوة سوداء ولكن ثناياها بيض" أي أن الأعمال والالتزامات المترتبة عليها جميلة ومهمة، و"القهوة حاكم" لفك المشاكل، وإذا وصف شخص بأنه "قهوته ما تنشرب" فذلك إشارة أخلاقه السيئة وضرورة نبذه في المجتمع.

وحدد النظام السلوكي والاجتماعي محاذير وانحرافات متصلة بالقهوة يجب الامتناع عنها، مثل: عدم تقديم القهوة لشخص إلا لسبب محدد هو هربه من القتال، وسكب القهوة على الأرض، فذلك يعنى احتقار القبيلة وتحدي الناس، وتقديم القهوة "عشراوية" وهي القهوة "البايتة" التي مضى عليها يوم أو يومان، وتقديم قهوة "مسربة" أي أوشكت على النفاد واختلطت بالحثل، وشرب القهوة بدون إذن، فذلك اعتداء على الحرمات والخصوصيات، والنزاع في مجلس تدار فيه القهوة فذلك من احتقار الجماعة والمضيف.

وهكذا فإن القهوة في المجتمع الأردني والقبلي هي تعبير عن طقوس ورموز للعادات والتقاليد والنظم الاجتماعية والسلوكية، وهي أيضا فرصة للقاءات الاجتماعية والحوار وتبادل الآراء "مجالس القهوة" كما أنها من وسائل المكافأة والعقاب الاجتماعية، ويمكن اعتبارها وسيلة فعالة في تحقيق الاستقرار والتضامن والتكافل الاجتماعي.

وأما القهوة التركية، فهي تسمية أطلقها الأوروبيون حين عرفوا القهوة لأول مرة عام 1683 عندما انسحب الجيش التركي وأنهى حصار فيينا عاصمة النمسا اليوم، وترك خلفه كميات كبيرة من القهوة التي كان يستخدمها الجيش التركي، وقد بقي في النمسا أحد الجواسيس الذي كان يعمل للأوروبيين بين الترك، وأنشأ في فيينا مقهى أسماه "بلو كيف"  وبدأ الأوروبيون يقبلون على القهوة باعتبارها كانت ترمز إلى اليقظة والانتعاش النصر والقوة التي كان يتمتع بها الترك، في حين كان أكثر من ثلث الأراضي الزراعية في أوروبا يزرع بالشعير لأجل تحضير الجعة، وكأن الأوروبيين رأوا في القهوة إصرارا على النهوض، ومن المؤكد أيضا أنها وصلت إلى أوروبا عن طريق المدن الإيطالية التي كانت تقيم صلات تجارية واسعة مع الشرق، ويقال إن أول مقهى أقيم في ميناء فينيسيا الإيطالي عا 1645، ثم بدأت بالانتشار في جميع أنحاء أوروبا، وبدأت زراعة القهوة تنتشر في القارة الأمريكية في القرن الثامن عشر الميلادي، وتنتج البرازيل اليوم ثلثي القهوة المستخدمة في العالم.

تعود معرفة القهوة إلى العرب في اليمن والحبشة عندما لاحظوا في القرن التاسع قبل الميلاد أثرها على الغنم في المراعي، وعندما جربوها بأنفسهم لاحظوا أنها تثير النشاط والشعور بالسعادة والانتعاش، وبدأت تزرع بشكل واسع، ومازالت القهوة العدنية ترمز إلى أجود أنواع القهوة وأغلاها ثمنا.

وفي أوائل القرن العشرين بدأت تحضر في إيطاليا قهوة الإكسبرسو، ثم بدأت شركة نستلة إنتاج قهوة "النسكافيه"

وبدأ ت القهوة تتفوق على الشاي وتزيد عليه انتشارا، حتى في بريطانيا التي كان الشاي فيها هو المشروب الأول والأكثر احتراما.

يجب أن تعد القهوة من البن الطازج، وأن تخزن بعيدا عن الأطعمة والأشربة، وأن يستخدم في تحضيرها ماء نقي، وأن تغلى جيدا ولمدة كافية، وأن تستخدم أواني نظيفة وخاصة بالقهوة فقط، وينصح بشرائها غير مطحونة وأن تطحن في البيت بكميات قليلة، لتحتفظ بنكهتها وطعمها الأصلي، وأن يخصص للفنجان ملعقتان صغيرتان بلا زيادة أو نقص، وأن يدفأ الفنجان قبل صب القهوة فيه، ومن علامات القهوة الجيدة والطازجة رائحتها الخاصة والمنعشة.

 

 

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.